اغتصاب / 1-3 - ميشال أبو راشد


مسحت السماء بعض الغيمات عن جبينها، فتلألأت النجمات بهية، تلمع من عمق البعيد غير مبالية بومضات الرصاص تخرق ظلام المعركة. غمر "نبيل" بندقيته، وعصر مقبضها بخده الأيمن، دلق أنفاسه على ماسورتها، مصوبًا انتباهه إلى ساحة المعركة. أما سبابته اليمنى ففي حال تأهب على الزناد للدفاع عن مستقبل أحلامه.

 

همد ايقاع القنابل. الهدوء في الحرب مخيف أكثر من دوي القصف.

 

"يا الله" قذف "نبيل" تنهيدة إلى العلى، تأبط سلاحه، ودب يرفس الأرض براحتيه ويخط رسم درب بركبتيه. أزّت طلقة فوق رأسه. التصق بالتراب، اشتم رائحة الأرض، فاتّقد خوفه.

 

"قد تكون ذرّات التراب هذه بقايا محارب آخر، ألم يشبع التاريخ من الحروب؟ ولكنه بالدماء يُكتب... أي جزء سيسطره بدمي؟" طرد "نبيل" أفكاره، فلا مجال لخوض معركة جديدة مع شبح الموت. تكفيه معركة البقاء. زحف إلى تلة قريبة، رفع يده يتحسسها فاطمأن إلى أنه غير مرئي. منذ طراوة عوده وهو يرتاح عندما يشعر أنه غير مرئي. هذا الشعور محبب لدى معظم الأطفال، ولكنه يتحول جحيمًا في مجتمعات الكبار!

 

"تبًا للحرب الملعونة" تفل في الأرض، فتطايرت حبات التراب إلى وجهه، برم مستلقيًا على ظهره، ووضع سلاحه جانبًا. حرّر يده لتبحث في جيوبه عن علبة سجائر مكتوب عليها بالاسود العريض: "التدخين يقتل". إنه فعلًا يقتل لأن الضوء المنبعث من رأس السيجارة يشكل علامة للقناص الرابض بعيدًا. لم يكترث "نبيل"، أشعل سيجارته، مجّها، نفخها دخانًا، ونفضها رمادًا متأملًا رفاق سلاحه وقد أنهكهم القتال وأشعل في بعضهم الآخر نوبات غضب.

 

صدر أمر فتح النار، فانهالت القذائف على القرية خلف التلة القابع فيها، ألقى عقب سيجارته بعيدًا، وركض نزولًا مع العسكر يطلق النار من رشاشه عشوائيًا. لا مقاومة، لا نيران مضادة، انخفض صوت آلات القتل وعلا صوت عويل يخرق جدران بيت في زاوية الساحة حيث وصل. قوّة غريبة قادته صوب المكان، سار بغير تفكير، هرول، طرح عنه التعب وراح يركض. علا صراخ النجدة فأبطأ خطاه. اقترب، صار يسمع ضحكات. ضحكات وصراخ. فتاة على الأرض ملقاة، وشلّة جنود تلتهمها بالنظرات... نظرات الشهوة تسبح على جسدها المتسخ وثيابها الممزقة وروحها التي تقاوم قبل الاستسلام.

 

نظرت في عينيه، فخضته، ليس سهلا عليه التقاء النظرات. الفتاة مرتعدة، ليست خائفة من الموت تخطت تلك المرحلة. هي الآن تفضّل الموت على أن يلمسها أي من الوحوش التي تلهث قرفًا فوق جسدها.

صراخها يزيدهم اصرارًا، بحثت عن الرحمة في عيونهم فلم تجدها، في قلوبهم، في أي قرنة من أرواحهم، عبثًا فعلت. أيعقل أن يكون الانسان بلا رحمة؟

شخصت أنظارها إلى "نبيل" ترجوه... ترجوه الرحمة. 

 

فار غضبه، وثار عنفوانه. صرخ بأعلى صوته كأنه في المعركة، وركض باتجاه الفتاة الفريسة وقفز فوقها، يحمي بجسده جسدها، قبل أن يفصلهما عقب بندقية، ويفصله عن حسّه.

صدحت الضحكات، اصطناعية مخيفة، تشرشر شرًا. عندما ينتصر الشرّ!

 

يتبع ./...



Related Articles
جسد وكتابات..جمال من كلمات - ميشال أبو راشد
ممارسة الكتابة مع سامر، والإحباط مع مجموعتي، ندمان يصنعان دمعة مجانية، ترسم ملامح حاضر يعشق الماضي ومستقبل مخيف، كوحوش الطفولة في غياب الأبطال الخارقين. أدرك أن الوحوش فقط حقيقيون مثل الأحلام، وتلك البقعة المنقوشة أعلى رقبتي.
صدى الخطوات 1 2 3 /3 - ميشال أبو راشد
فأنا أشعر به. بحضوره. ألمس روحه كلّ صباح. الشعور حقيقة وما أشعر به حقيقي.
لبعضهم إكسير صباحي.. يعتصر النفس شغفًا ناعمًا. طهرًا يشتهي الغفوة.
لبعضهم رحيق الصباح.. يجتذب الذات سهوًا وخصوصًا في تلك الفترة الممتدة من أهداب الليل إلى إشراقة النور الأولى.

أرق 1-2-3 /3 - ميشال أبو راشد
خارت قواها نهارًا، فنامت فوق مكتبها. تسند رأسها على حلم جميل. أحلام النهار تزهر في جوف الروح، فتنبت على مهل، وما أن تكبر حيث تيبس لأنها لا تحيا في دنيا الواقع. تموت ولكن جذورها تبقى متشبثة بإحكام في داخلنا، في قلوبنا.
أنا وليلى والبصل - ميشال أبو راشد
فما أذكره كطفل وما كتبته أعلاه، ليس أكثر من نتفة مما عاشه الكبار، وحجبوه عنا نحن الصغار. في غمرة ذلك كنت أتسلل إلى أمي وهي المطبخ تبكي، بدموع كثيرة.
كمشة عبير / 3-3 - ميشال أبو راشد

لم تجب. مرّرت إصبعها على روحه تتحسّسها، فذاب قلبه هيامًا. رجاها أن تتوقف. لم تعد الأنفاس تجد طريقها إليه... اقتربت منه أكثر بخطوات دافئة تعيد إليه روحه على مهل... تعيدها إلى مكانها. انقبض قلبه وتقلّص عالمه.

كمشة عبير / 2-3 - ميشال أبو راشد

صار حدّها فجأة. تحركه بفكرها، تدخله إلى عالمها. تسلمه روحها ليسحبها بعيدًا، يحلّق بها. أثناء الارتفاع تنطلق الروح كالسهم إلى العلاء، قبل أن يشدك ذاك الخيط الخفي المتين ويعيدك الى حيث يجب أن تكون. اختفى فجأة كما حضر. "يكفي أحلامًا"

كمشة عبير / 1-3 - ميشال أبو راشد

هي تعرف أن الفرصة عندما تسنح علينا اغتنامها بسرعة، وإلا تآمر الزمن علينا وخلط الأوراق، لذلك حضّرت مسالك لأفكارها إلى أرض الواقع لتترجمها متى آن الأوان. مخيفة الأفكار عندما تصبح ملموسة... ففي ذلك نشوة الوجود وارتطام الحقيقة بالواقع

الشامات... / 3-3 - ميشال أبو راشد
حزمت نفسها وحقيبتها، تركت كل شيء تقريبا في مكانه. ثياب النوم على السرير، وأحلام المساء تحت الوسادة. دفاترها في الجارور، وأفكارها مبعثرة في أكثر من مكان... بعضها على بعد مسافات.
الشامات... /2-3 - ميشال أبو راشد

ترقص أنفاسها بجنون على إيقاع صوته الهادر كفقش الموج. لم تجرؤ يومًا على جعل الموج يقفش، يملأ الشاطئ زبدًا ناصعًا.

مؤلم أن نجعل الموج يمتطي البحر ويراقص الريح ولا نسمح له بالانفجار ومعانقة التراب.

الشامات... / 1-3 - ميشال أبو راشد

عقربا الساعة في أعلاها، الجوّ هادئ والظلام كثير... دخلت بهدوء تنزع عنها كثافة النهار. . . يجتاحها شعور غريب بأنها ستكون وحيدة يومًا ما.الوحدة قاتلة باردة، وخصوصًا إن لم نتمرس على احتمالها.

القطرات الباردة / 3-3 ميشال أبو راشد
...تناولت حبة صغيرة من درفة فوق سريرها، ترتاح فيها صور من مغامرات عتيقة. بعض الصور من دون إطار، وتلك الأجمل. ابتلعت الحبة من دون مياه... أرسلت قبلة صوب الله وغابت.
القطرات الباردة / 2-3 ميشال أبو راشد
اقتربت منه حتى رسمت بأنفاسها خيوط حياة على عنقه الذي لا يزال ساخنًا.خفق قلبه إيقاعًا جنونيًا، لم يكن يومًا في موقع المتلقي.
القطرات الباردة / 1-3 ميشال أبو راشد

....لم تزعجها قطراتُ المياه الباردة التي تطايرت في الهواء وأصابتها في بَطنها المسطّح، الذي لوّنته الشمس سمرة مشبّعة بسخونة تمتد إلى روحها اشتياقًا، بعدما تآمر الفتور مع الأيام حتى فقد الوجود حرارته.

هروب / 3-3 ميشال أبو راشد
قرع الباب وانتظر. خفق قلبها وانقبض. ألصق وجهه بالخشب ليسرق همسات الداخل. السكون لا يزال مسيطرًا. بقي في الخارج منتظرًا. عرفت أنه هو. لقد عاد.
هروب / 2-3 ميشال أبو راشد
خلع ملابسه وغاص مرتعشًا يرتجف جسمه بردًا علّه يصحو من كوابيسه، ولكن الصحوة أشد بؤسًا في كثير من المرات. أسقط رأسه حتى غمرته المياه، فتح عينيه، نظر الى السقف. كل شيء يتموج، تكسرت نظراته مع حركة المياه. بدأ يختنق، لا هواء في الأعماق!
هروب / 1-3 - ميشال أبو راشد
أغمضت عينيها، تستشعر تسلّل بعض قطرات باردة تملأ كهفًا صغيرًا في وسطها، محاولة أن تمحو أثر تحرّرها من رباط الحياة... ربما انتقامًا منها لأنها خرجت يومًا من الماء. ولكن ألا يكفي البحار أنّ الإنسان يخرج باكيًا؟
نداء البُعد - ميشال أبو راشد
لمَ الانتظار؟ - ميشال أبو راشد
الاختباء - ميشال أبو راشد
ملامح الماضي - ميشال أبو راشد
مشــوار / 3-3 - ميشال أبو راشد
مشــوار / 2-3 - ميشال أبو راشد
مشــوار / 1-3 - ميشال أبو راشد
اغتصاب / 3-3 - ميشال أبو راشد
اغتصاب / 2-3 - ميشال أبو راشد
اغتصاب / 1-3 - ميشال أبو راشد
صَريرُ الباب / 3-3 - ميشال أبو راشد
صَرير الباب/ 2-3 - ميشال أبو راشد
صَريرُ الباب / 1-3 - ميشال أبو راشد
هكذا أثور - ميشال أبو راشد
بالله، ماذا نريد؟ - ميشال أبو راشد
منارة الجوف - ميشال أبو راشد
نوبة حب - ميشال أبو راشد
انتظار ما لن يأتي – ميشال أبو راشد
صفّ الانتظار – ميشال أبو راشد
إنهيار بطيء - ميشال أبو راشد
الإثم - ميشال أبو راشد
بين الأرض والسماء – ميشال أبو راشد
شهوة - ميشال أبو راشد
البداية – ميشال أبو راشد
رؤوس متدلية - ميشال أبو راشد
استغاثة الأحلام - ميشال أبو راشد
خُرم الحياة - ميشال أبو راشد
حالتئذٍ... حذار - ميشال أبو راشد
السعداء - ميشال أبو راشد
الحنين - ميشال أبو راشد
درب البداية - ميشال أبو راشد‏
عالما الذات - ميشال أبو راشد
الغشاء - ميشال أبو راشد
حافة الحياة - ميشال أبو راشد
هلمَّ إلى الحياة - ميشال أبو راشد
لمْسُ التراب - ميشال أبو راشد
رقص والتحام... فهيام - ميشال أبو راشد
القشور - ميشال أبو راشد
انشقاق الستار- ميشال أبو راشد
مرارة النفس - ميشال أبو راشد
أنشودة عشق.. ميشال أبو راشد
عناق الروح - ميشال أبو راشد
هَفوَة... ميشال أبو راشد
عشقُ الظلام – ميشال أبو راشد
الشرّير - ميشال أبو راشد
تنهيدة التراب - ميشال أبو راشد
كلامُ النظرات - ميشال أبو راشد
مساء اللذّة - ميشال أبو راشد
الطيران... ميشال أبو راشد
رحلة الزمن - ميشال أبو راشد
خشية الإنكشاف - ميشال أبو راشد
أبعد من ضجيج العيد - ميشال أبو راشد
ومَرَّ العيد - ميشال أبو راشد
وجوه وأقنعة... ميشال أبو راشد
سَكرة وصَحوة - ميشال أبو راشد
حقل الأحلام - ميشال أبو راشد
سنَّةُ الحياة - ميشال أبو راشد
قبلةُ التراب... ميشال أبو راشد
سكون الوحدة وصقيعها - ميشال أبو راشد
ألم الحواس... ميشال أبو راشد
ابتسامة من نور... ميشال أبو راشد
سأكتب... ميشال أبو راشد