كمشة عبير / 3-3 - ميشال أبو راشد


كمشة عبير 1-3              كمشة عبير 2-3

يوم جديد والأحاسيس تغزل مكانها. وصلت إلى العمل باكرًا، لم يكن ريشار قد وصل بعد. اقتربت من مكتبه الجديد، تحاول أن تفهم عالمه أكثر، لفتتها ورقة عليها بعض الخربشات ورسومات لم تكتمل. أخذت الورقة، خبأتها في حقيبتها. أخفتها. ستعود إليها في زمن الوحدة. انتظرت خلف مكتبها من يصل أولًا. وصل ربيع. ليس من عادته القدوم باكرًا. جلس جنبها. قبّلها وهو يجلس. أتى ريشار. وصل ضاحكًا يمرح مع زميلاته، وكأن لا شيء ينقصه. تعمّد فعل ذلك. أبعد نظراته عنها. جلس بعيدًا وراء مكتبه الذي صار على بُعد رمية قبلة. أراد أن يتابع خربشاته. لم يجد ورقته. لم يسأل عنها. التقت نظرتهما. توقف الوقت. يراقبهما ربيع. حاول أن يسأل لكنّه لم يكمل السؤال. انسحب ريشار وأكمل يومه خارج المكتب. انقبض قلبها. أصرّ ربيع على مرافقتها تركته يفعل.  

                                          
عندما نام الناس، وغفا القمر، جلست في مكانها المفضل، تشاهد التلفاز من دون ان ترى ما يدور فيه. بجانبها كتاب لا تقرأ محتواه. سرحت بأفكارها فوق العالم وللعالم عندها مستويان، واحد تحلّق فيه وربما تسقط، وآخر تغوص فيه وربما تغرق، وبين هذا وذاك تمضي الأيام ويشيخ القلب، وتتقاذف النفس موجات من الضياع والتشرّد. تشعر أنها كبرت قبل الأوان. جرعات الحياة التي استقتها من ربيع لم تكفها ليوم واحد، ولكن المشوار الذي ذهبت فيه بعيدًا مع ريشار طبع كيانها. ولكنّه بدّل مكانه!

لنشوة العقول رونق يعصف بنا حد إدمان العصف. ولا فرار.

                                    
بدّل مكانه ولكنّه عجز عن تبديل مشاعره، لقد تأكد أن قلبه غيّر موضعه في جسمه، لأنه صار يشعر بالضربات تمرّ من وسط صدره ارتفاعًا إلى حلقه. أدهشه تفاعل جسمه مع حالته العاطفية، فكّر مرارًا في استرداد مطرحه، ولكنه في كلّ مرّة كان يتردد، خوفًا من أن تدفعه هي من القمّة وقد بلغاها سريعًا. أسرع من كل المتسلقين.

                                                            
انقضى ليل آخر، فتمشّت مع ريح الصباح وقد حان وقت التغيير. وصلت إلى مكتبها. يوم عمل عادي فيه كثير من الإيحاءات والدلع وكمشات العطر. رآها فاشتعل بركانه، خرج يروّح عن نفسه. وجد مكانا قرب المياه فاقتعد يراقب كيف يلامس الهواء السفح فيخربط سكونه، تعرجات تعرجات.

                         
أشعل سيجارة وراح يمجّها مفكرًا سارحًا في الاحتمالات، يرى الدخان يتصاعد بعدما ينفثه عاليًا والرماد يطير غبارًا في الهواء ويرسو بعيدا في الفناء.

أتت إليه، اقترب منها حد التماس... راح يشتمّ كلماتها ويترك عطر المعاني ينساب إلى أعماقه كدرع تحمي الحاضر من سوط الزمن وجلداته.

تحادثا وحلقا حتى انتشى فكرهما... عريا ذاتيهما في كل التفاصيل. خلعا الأقنعة.

وقف أمامها مذهولًا، لا يجرؤ على الاقتراب. أمسكت روحه. سحبتها إليها. لا يزال واقفًا مسمّرًا في مكانه. فقد القدرة على الحراك. يحدّق في تلك المرأة التي تمسك وجدانه بيديها وتشدّه إليها...

                         
- أرجوك إسحبي روحي أكثر... أعتقيها... لا تتوقفي

- ومن قال إني أريد ذلك؟

- طيّب، لا تتركيها وقد بلغ انشدادها حدّه. أعيديها بهدوء... رويدًا رويدًا، فأنا لا أحتمل المغامرات... كفاني ارتطامًا بالذات.

                                       
لم تجب. مرّرت إصبعها على روحه تتحسّسها، فذاب قلبه هيامًا. رجاها أن تتوقف. لم تعد الأنفاس تجد طريقها إليه... اقتربت منه أكثر بخطوات دافئة تعيد إليه روحه على مهل... تعيدها إلى مكانها. انقبض قلبه وتقلّص عالمه.

                             
جلس وحيدًا مرة جديدة... يشكر الله على رأفة المرأة لأنها لم تقذف به إلى جبال المياه وتعرجاتها، حيث يلهو النسيم. راح يكرر بخفت الصوت ما قالته محاولًا أن يصغي إلى صدى الكلمات:

                               
أنا امرأة تعرف رغبات، وشهوات الآخرين والمناطق الغامضة فيهم ... مخاوف أرواحهم وتخبّطات قلوبهم.

أنا امرأة تعرف جيّدا أن بعد الرغبة تكون الرومانسية وبعد الرومانسية يحل الهوس الذي يسبّب الجنون، أو الحب الذي يقود إلى الموت.

لذلك أنا امرأة لا ترغب إلا بنفسها. ولا تحب إلا وحدتها؛ هنا تشعر بحريتها في الأفكار، والأحلام، لا في أحضان رجل.

انا امرأة تبحث عن مزيد من الحرية لا القلق. مزيد من المعرفة ولا المجاملات، المزيد من الصداقات الحقيقية لا المغامرات.

أنا امرأة تبحث عمن يرى في مرآتها ما عجزت هي عن رؤيته.

                                        
انتهى الوقت وقلب الزمن صفحة جديدة من أحد دفاتره فيه كلمات وورود وشوك وعصافير تنحو إلى البعيد.
عانقت زملاءها. أخبرتهم بشأن استقالتها. ودّعتهم على أمل اللقاء. وغادرت من دون أن تنظر إلى الوراء تاركة فراغًا في كل مكان. في نفسها أولًا.

                   

لا يتبع .../...



Related Articles
جسد وكتابات..جمال من كلمات - ميشال أبو راشد
ممارسة الكتابة مع سامر، والإحباط مع مجموعتي، ندمان يصنعان دمعة مجانية، ترسم ملامح حاضر يعشق الماضي ومستقبل مخيف، كوحوش الطفولة في غياب الأبطال الخارقين. أدرك أن الوحوش فقط حقيقيون مثل الأحلام، وتلك البقعة المنقوشة أعلى رقبتي.
صدى الخطوات 1 2 3 /3 - ميشال أبو راشد
فأنا أشعر به. بحضوره. ألمس روحه كلّ صباح. الشعور حقيقة وما أشعر به حقيقي.
لبعضهم إكسير صباحي.. يعتصر النفس شغفًا ناعمًا. طهرًا يشتهي الغفوة.
لبعضهم رحيق الصباح.. يجتذب الذات سهوًا وخصوصًا في تلك الفترة الممتدة من أهداب الليل إلى إشراقة النور الأولى.

أرق 1-2-3 /3 - ميشال أبو راشد
خارت قواها نهارًا، فنامت فوق مكتبها. تسند رأسها على حلم جميل. أحلام النهار تزهر في جوف الروح، فتنبت على مهل، وما أن تكبر حيث تيبس لأنها لا تحيا في دنيا الواقع. تموت ولكن جذورها تبقى متشبثة بإحكام في داخلنا، في قلوبنا.
أنا وليلى والبصل - ميشال أبو راشد
فما أذكره كطفل وما كتبته أعلاه، ليس أكثر من نتفة مما عاشه الكبار، وحجبوه عنا نحن الصغار. في غمرة ذلك كنت أتسلل إلى أمي وهي المطبخ تبكي، بدموع كثيرة.
كمشة عبير / 3-3 - ميشال أبو راشد

لم تجب. مرّرت إصبعها على روحه تتحسّسها، فذاب قلبه هيامًا. رجاها أن تتوقف. لم تعد الأنفاس تجد طريقها إليه... اقتربت منه أكثر بخطوات دافئة تعيد إليه روحه على مهل... تعيدها إلى مكانها. انقبض قلبه وتقلّص عالمه.

كمشة عبير / 2-3 - ميشال أبو راشد

صار حدّها فجأة. تحركه بفكرها، تدخله إلى عالمها. تسلمه روحها ليسحبها بعيدًا، يحلّق بها. أثناء الارتفاع تنطلق الروح كالسهم إلى العلاء، قبل أن يشدك ذاك الخيط الخفي المتين ويعيدك الى حيث يجب أن تكون. اختفى فجأة كما حضر. "يكفي أحلامًا"

كمشة عبير / 1-3 - ميشال أبو راشد

هي تعرف أن الفرصة عندما تسنح علينا اغتنامها بسرعة، وإلا تآمر الزمن علينا وخلط الأوراق، لذلك حضّرت مسالك لأفكارها إلى أرض الواقع لتترجمها متى آن الأوان. مخيفة الأفكار عندما تصبح ملموسة... ففي ذلك نشوة الوجود وارتطام الحقيقة بالواقع

الشامات... / 3-3 - ميشال أبو راشد
حزمت نفسها وحقيبتها، تركت كل شيء تقريبا في مكانه. ثياب النوم على السرير، وأحلام المساء تحت الوسادة. دفاترها في الجارور، وأفكارها مبعثرة في أكثر من مكان... بعضها على بعد مسافات.
الشامات... /2-3 - ميشال أبو راشد

ترقص أنفاسها بجنون على إيقاع صوته الهادر كفقش الموج. لم تجرؤ يومًا على جعل الموج يقفش، يملأ الشاطئ زبدًا ناصعًا.

مؤلم أن نجعل الموج يمتطي البحر ويراقص الريح ولا نسمح له بالانفجار ومعانقة التراب.

الشامات... / 1-3 - ميشال أبو راشد

عقربا الساعة في أعلاها، الجوّ هادئ والظلام كثير... دخلت بهدوء تنزع عنها كثافة النهار. . . يجتاحها شعور غريب بأنها ستكون وحيدة يومًا ما.الوحدة قاتلة باردة، وخصوصًا إن لم نتمرس على احتمالها.

القطرات الباردة / 3-3 ميشال أبو راشد
...تناولت حبة صغيرة من درفة فوق سريرها، ترتاح فيها صور من مغامرات عتيقة. بعض الصور من دون إطار، وتلك الأجمل. ابتلعت الحبة من دون مياه... أرسلت قبلة صوب الله وغابت.
القطرات الباردة / 2-3 ميشال أبو راشد
اقتربت منه حتى رسمت بأنفاسها خيوط حياة على عنقه الذي لا يزال ساخنًا.خفق قلبه إيقاعًا جنونيًا، لم يكن يومًا في موقع المتلقي.
القطرات الباردة / 1-3 ميشال أبو راشد

....لم تزعجها قطراتُ المياه الباردة التي تطايرت في الهواء وأصابتها في بَطنها المسطّح، الذي لوّنته الشمس سمرة مشبّعة بسخونة تمتد إلى روحها اشتياقًا، بعدما تآمر الفتور مع الأيام حتى فقد الوجود حرارته.

هروب / 3-3 ميشال أبو راشد
قرع الباب وانتظر. خفق قلبها وانقبض. ألصق وجهه بالخشب ليسرق همسات الداخل. السكون لا يزال مسيطرًا. بقي في الخارج منتظرًا. عرفت أنه هو. لقد عاد.
هروب / 2-3 ميشال أبو راشد
خلع ملابسه وغاص مرتعشًا يرتجف جسمه بردًا علّه يصحو من كوابيسه، ولكن الصحوة أشد بؤسًا في كثير من المرات. أسقط رأسه حتى غمرته المياه، فتح عينيه، نظر الى السقف. كل شيء يتموج، تكسرت نظراته مع حركة المياه. بدأ يختنق، لا هواء في الأعماق!
هروب / 1-3 - ميشال أبو راشد
أغمضت عينيها، تستشعر تسلّل بعض قطرات باردة تملأ كهفًا صغيرًا في وسطها، محاولة أن تمحو أثر تحرّرها من رباط الحياة... ربما انتقامًا منها لأنها خرجت يومًا من الماء. ولكن ألا يكفي البحار أنّ الإنسان يخرج باكيًا؟
نداء البُعد - ميشال أبو راشد
لمَ الانتظار؟ - ميشال أبو راشد
الاختباء - ميشال أبو راشد
ملامح الماضي - ميشال أبو راشد
مشــوار / 3-3 - ميشال أبو راشد
مشــوار / 2-3 - ميشال أبو راشد
مشــوار / 1-3 - ميشال أبو راشد
اغتصاب / 3-3 - ميشال أبو راشد
اغتصاب / 2-3 - ميشال أبو راشد
اغتصاب / 1-3 - ميشال أبو راشد
صَريرُ الباب / 3-3 - ميشال أبو راشد
صَرير الباب/ 2-3 - ميشال أبو راشد
صَريرُ الباب / 1-3 - ميشال أبو راشد
هكذا أثور - ميشال أبو راشد
بالله، ماذا نريد؟ - ميشال أبو راشد
منارة الجوف - ميشال أبو راشد
نوبة حب - ميشال أبو راشد
انتظار ما لن يأتي – ميشال أبو راشد
صفّ الانتظار – ميشال أبو راشد
إنهيار بطيء - ميشال أبو راشد
الإثم - ميشال أبو راشد
بين الأرض والسماء – ميشال أبو راشد
شهوة - ميشال أبو راشد
البداية – ميشال أبو راشد
رؤوس متدلية - ميشال أبو راشد
استغاثة الأحلام - ميشال أبو راشد
خُرم الحياة - ميشال أبو راشد
حالتئذٍ... حذار - ميشال أبو راشد
السعداء - ميشال أبو راشد
الحنين - ميشال أبو راشد
درب البداية - ميشال أبو راشد‏
عالما الذات - ميشال أبو راشد
الغشاء - ميشال أبو راشد
حافة الحياة - ميشال أبو راشد
هلمَّ إلى الحياة - ميشال أبو راشد
لمْسُ التراب - ميشال أبو راشد
رقص والتحام... فهيام - ميشال أبو راشد
القشور - ميشال أبو راشد
انشقاق الستار- ميشال أبو راشد
مرارة النفس - ميشال أبو راشد
أنشودة عشق.. ميشال أبو راشد
عناق الروح - ميشال أبو راشد
هَفوَة... ميشال أبو راشد
عشقُ الظلام – ميشال أبو راشد
الشرّير - ميشال أبو راشد
تنهيدة التراب - ميشال أبو راشد
كلامُ النظرات - ميشال أبو راشد
مساء اللذّة - ميشال أبو راشد
الطيران... ميشال أبو راشد
رحلة الزمن - ميشال أبو راشد
خشية الإنكشاف - ميشال أبو راشد
أبعد من ضجيج العيد - ميشال أبو راشد
ومَرَّ العيد - ميشال أبو راشد
وجوه وأقنعة... ميشال أبو راشد
سَكرة وصَحوة - ميشال أبو راشد
حقل الأحلام - ميشال أبو راشد
سنَّةُ الحياة - ميشال أبو راشد
قبلةُ التراب... ميشال أبو راشد
سكون الوحدة وصقيعها - ميشال أبو راشد
ألم الحواس... ميشال أبو راشد
ابتسامة من نور... ميشال أبو راشد
سأكتب... ميشال أبو راشد